سانا أديغا**SANA ADIGA
موقع يهتم بالشركس وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم والثقافة الشركسية
‏قصة بُستان العم حَزْرَتْ

‏قصة بُستان العم حَزْرَتْ

كانت شمس العمر قد انكسرت وتقهقرت للتو وتركت وراءها ضوءا ساطعا، و انخفضت حرارة الجو حين دبت الحركة في كل أرجاء القرية وخرجت الفتيات والشبان للمشي على الطريق الرئيسي للقرية , وخرجت النساء والرجال والعجائز للجلوس أمام بيوتهم.

‏كُنت حزينة, ليس لأنني بعيدة عن أمي وأبي وأخوتي في هذا المكان,إنما كنت حزينة لأن عجوزي القاسية , تلك المستندة على هيكل من عظام منعتني من المضي مع الصبيان والفتيات إلى بستان العم حزرت, لم أحاول أن أجادلها أو اثنيها أو أرجوها, أحفادها أبناء العم عدنان الذين يسكنون خلف هذه الدار رجوها أن ترسلني معهم كما رجتها بنات الجيران لكنها رفضت كل توسلاتهم , أظهر الأولاد بعض الحزن من أجلي وأبدوا تضامنهم معي لكنهم ما لبثوا أن نسوا كل ذلك, لم يحاولوا إخفاء ابتهاجهم حين تجمعوا أمام منزل العم حزرت وهم يصعدون القاطرة التي يجرها الجرار, لم أشأ أن أبدي لهم حزني فلم اقترب منهم وهم يصعدون القاطرة , بقيت أمام هذه الدار وحين لوحوا لي لوحت بيدي لهم ثم حاولت أن انظر في اتجاه آخر كمن لايعنيها أين يذهبون فأنا كضيفة لا يمكن أن اظهر غضبي أو حزني ويجب أن كون مهذبة كما أوصتني أمي لذلك جلست على المصطبة الحجرية أمام المنزل وجَلستْ عجوزي على مصطبة حجرية وهي صامتة تمد بصرها إلى السهل الفسيح الممتد وراء الطريق العامة.

‏توقعت أن تبرر لي عدم إرسالي إلى البستان لكنها لم تفعل ولم تبادلني أية كلمة ولا اعرف بالضبط عمّا تعاقبني ثم جاءت العجوز التي تسكن في آخر القرية والتي كان الأولاد يسمونها الجدة أم عبدو ولم أعرف يوما هل لديها حقا ولد اسمه عبدو أم لا.

‏جاءت تتدحرج ذات اليمين وذات الشمال، نهضت عجوزي واستقبلتها بكل حفاوة و بشر ووقفت لها أنا أيضا فصافحتني وقبلتني ووضعت يدها فوق رأسي ثم جلست على المصطبة الحجرية الطويلة إلى جانب عجوزي وهي تسألني لماذا تجلسين هنا لماذا لاتلعبين مع الأولاد أين أصدقاؤك؟ لم اجبها إنما ابتسمت فحسب,علَّ عجوزي القاسية تقول لها كيف ذهبوا جميعا فرحين ضاحكين مسرورين وحرمتني أنا من الذهاب معهم , ربما لقيتْ بعض المعارضة من العجوز أم عبدو فتشعر بذنبها وظلمها لي لكني لم أكن احتمل مناقشتها بذلك أبدا, لقد حرمتني وانتهى الأمر هنا وأنا حانقة عليها ولن أسامحها، هكذا قلت في نفسي وطفت بعيني ألهو بالنظر إلى الفسحة الواسعة الممتدة أمام المنزل والطريق الممتدة من أقصى القرية عن يميني إلى أقصاها عن شمالي وأنا أتأمل الفتيات والشبان وهم يمشون متماهلين على الطريق الطويل ,لمحت فتاتين من تلك اللواتي يقال عنهن صبايا أي كبيرات بالنسبة لي ولأصدقائي كانت إحداهما مريم وأنا اعرفها جيدا إنها فتاة جميلة ومغناج وتمت بصلة قرابة ما لهذه العجوز,وكنت أكن كل الحب لمريم وكثيرا ما كانت مريم تدللني وتقبلني حين تصادفني في أي مكان في القرية.

‏كانت تمشي وصديقتها وكان ثمة شابان رأيتهما يسبقان مريم وصديقتها في السير ثم تأخرا عنهما وهما يتبادلان الكلمات والإشارات ثم تقدم أحدهما ووقف مع مريم يحادثها ووقفت مريم واضعة يدها على خصرها تحرك رأسها بدلال وتضحك بتثاقل وتمنيت أن اسمع ما تقول وقدرت أن هذا الشاب هو محب وأنها تماطله الآن , فقد عرفت أن الفتاة إذا ماطلت المحب فإنها تؤجج عواطفه , فكذا أخبرتني صديقتي العزيزة عبير ولا اعرف مدى صحة هذا الكلإم وقالت عبير أيضا بأن لديها معجبين كثر ومحبين وأن على الفتاة أن تجمع أكبر عدد من المحبين و أخبرتني أيضا بأن لدي معجبين من صبيان القرية وأنهم حملوها سلامات كثيرة لي كي تبلغني بها فمنعتها من متابعة ذلك وقلت لها نحن أطفال ولا يجوز

‏أن نفكر بهذه الأمور حتى نكبر, رغم أني ندمت بعد ذلك و صعب علي مفاتحتها مرة أخرى بهذا الموضوع.

‏كانت تراودني هذه الأفكار وأنا اجلس وحيدة ومشدودة إلى مشهد مريم والمحب الجريء حين أزت بأذني عبارة من حديث عجوزي القاسية أخرجتني مما أنا فيه وشدتني لثرثرتهما التي كانت لا تنقطع والتي لم تكن تهمني قبل أن تطرق سمعي عبارة (لو لم تمت ولو أنها عاشت وتزوجت لكان أبناؤها في عمر حماتي رحمها الله).

‏فقالت أم عبدو تلك العجوز البدينة المتدحرجة : رحمة الله عليهما هما الاثنتان , حين أتيت عروسا لهذه القرية قالت لي حماتي أن أختها مسلمات التي تكبرها بخمسة عشر عاما حين كانت صغيرة رأت دشه مافه وأنها كانت آية في الجمال.

‏أضافت عجوزي : لا أدري ربما هذا صحيح , إن حماتي حدثتني بأن حماتها أخبرتها أن أحدا لم ير بجمالها بين الشركس

‏شدت أم عبدو طرف غطاء رأسها الأبيض وأسندت ظهرها إلى الجدار وهو عبارة عن سور المنزل الذي ترتخي عليه أغصان الياسمين , ثم قالت كم كانوا قساة وصعبين , أليسوا هم من تركونا تموت لأنها تكبرت عليهم؟ .

‏أفزعني ما سمعته من أم عبدو الثرثارة

‏وشدني كي اعرف أكثر عن تلك التي يتحدثون عنها .

‏نظرت إلى عجوزي فكانت تنظر إلى شيء ما في ذلك السهل لم أتبينه قط ولم تبدِ اضطرابا كاضطرابي أنا, كانت ترخي يديها على قبضة عكازها المعقوفة المرتكزة على الأرض بين قدميها ,ثم التفتت بهدوء إلى أم عبدو و قالت : ان حماتي حدثتني بان حماتها قالت لها بأن دشه مافه كانت متواضعة كثيرا ولم تتكبر يوما على أحد ولكنها لم تكن تستطيع الزواج بأي كان.

‏قالت أم عبدو وملامح التساؤل تتبدى على سحنتها : أنا سمعت أن أحدا من الكبار التحماته منعها أن تحب أحدا من الشبان كي يزوجها لابنه.

‏تذكرت ما قالته لي عبير ورفضي الاستماع إلى السلامات التي تحملها لي وتخيلت نفسي كبطلة شهيدة كتلك التي يتحدثون عنها ولكني لم أكن أود أن أموت أبدا , وكان علي أن افهم عمن يتحدثون وما الذي أصابها بالضبط لأعرف ما علي أن أتصرف تجاه ما قالته عبير .

‏بقيت عجوزي صامتة وكدت أتسرع وأسألها هل منعها التحماته المذكورة أن تحب أحدا حقا ؟ لكني تذكرت بآخر لحظة أني في حالة من الخصام الضمني معها ولا أود أن انهي خصامي بهذه السرعة فأمسكت نفسي انتظر أن تخرج من صمتها بمفردها أو أن اسألها عن ذلك بعد أن ينتهي خصامي معها ولكنها لم تتركني بهذه الحالة مدة طويلة.

‏و قالت : اعتقد بأن هذا كلام أشخاص لايحبونها فكيف تصدقين ذلك أنت؟ إن حماتي أخبرتني بأن حماتها حدثتها بأن هذا التحماته جعلها كابنة من بناته وأبناءه أخوة لها وأرادها أن تتابع الرحلة الطويلة في عربته مع أبنائه ولكنها لم تشأ أن تترك العائلة.

‏أم عبدو : لا لم اصدق أن التحماته يمكن أن يمنعها بالتفكير بأحد من اجل ولده. . . طبعا لا, المسكينة كانت وحيدة ألم يكن لها أي قريب بين الراحلين ؟

‏عجوزي : لا لم يكن لديها أقرباء

‏أم عبدو : وأين إخوتها وأبوفا و أبناء عمها ؟

‏عجوزي : لم اسمع عن أبناء عمها يوما شيئا , ربما لم يكونوا بين الراحلين , ولكني سمعت من حماتي أن حماتها قالت لها بان والدها و والدتها قد توفيا وليس لديها أخوة ولا أخوات.

‏و تخيلت فتاة ذهبية تلبس ألبسة بيضاء ناصعة وشعرها أشقر طويل , وتحمل الأزهار الجميلة وهي وحيدة وحزينة ليس لديها لا أب ولا أم ولا أخوة وحولها قوم من المسنين العابسين دوما , يلبسون ألبسة سوداء وتماهيت بها , ثم استدركت ذلك وشكرت الله على أمي وأبي وأخوتي حتى وأنا بعيدة عنهم الآن فهم موجودون , ثم سمعت عجوزي تقول : إن والدها كان فارسا ذهبيا من نبلاء الشراكسة وكان مقاتلا شجاعا وكان أيضا عازف بشنه ماهرا وراقصا مبدعا إذا رقص رقصة الششن زلزل الأرض تحت قدميه وكانت الفتيات تتحدينه و يتتابعن على مراقصته لكي يتعبنه فكان يراقصهن جميعا ويتعبهن ولا يتعب.

‏فقالت أم عبدو الثرثارة : وهل كان متعبا في كل شيء وقالت كلمة أخرى ورغم أني كنت اعرف اللغة الشركسية جيدا إلا أني لم افهم معنى تلك الكلمة التي جعلت العجوزين تضحكان فأشارت عجوزي إلى أم عبدو بيدها تنبهها إلى وجودي فحملقت تلك بي كأنها اكتشفت للتو أني مازلت موجودة فقالت لي :

لماذا لا تذهبين وتلعبين مع الأولاد فأومأت برأسي بأني لا أريد وأشحت بنظري عنهما متظاهرة بعدم الاهتمام بحديثيهما فلمحت مريم تمشي والى جوارها المحب المتيم الجريء وأمامها على بعد خطوات يمشي صديق المحب مع صديقة مريم وسمعت أم عبدو تقول : ومن كانت أمها؟

‏أجابت عجوزي اسم أمها نسه دشه وكانت فائقة الجمال من الجمال الشركسي القديم الذي كانت أمهاتنا يتحدثن عنه .

‏قالت أم عبدو : الآن لم يعد لدينا جمال , وهل كانت أمها نبيلة أيضا؟

‏عجوزي : كيف لا وهل هذا ممكن. . . طبعا كانت نبيلة بل كانت من عائلة مشهورة من النبلاء وقد تمناها كل النبلاء والأمراء لكنها أحبت ذلك الفارس وخَطفت معه وكانت هناك أغاني كثيرة تغنى عن حبهما وقد حسدهما الجميع أنت تعرفين شبابنا يتمهلون ثم إذا ذهبت من أيديهم فتاة تحسروا وحسدوا من حصل عليها , وقد أخبرتني حماتي بأنه توفي بعد زواجه بوقت قصير جدا حين كانت دشه مافه بعمر اشهر فحسب.

‏أم عبدو بنبرة الاستنكار : لقد قتله حساده ؟

‏عجوزي : لا لقد قتل في معركة, قيل أنها كانت معركة كبيرة بين الشركس والروس وقيل أيضا أنهم دفنوه في قبر كبير جدا وعال ودفنوا معه في القبر أسلحته ودرعه وكل أدواته وقيل أن حصانه ظل واقفا قرب القبر ولم يستطع أحد أن يمسك به إلى أن سقط فوق القبر ومات .

‏أخذت عجوزي نفسا عميقا وحركت يديها القابضتين على العكاز ثم أضافت قيل أن نسه دشه جاءها خبر وفاته وهي ترضع ابنتها فجف حليبها وكادت الفتاة تموت ياقلبي الدافئ عليها, وقالوا أن نسه دشه كانت تزوره هناك في بلاد الشركس في قفقاسيا حيث الثلوج كثيفة كما حدثتنا أمهاتنا , كانت تخرج في الليل على الحصان وحيدة كي تزور قبره وتبكي كل البكاء الذي حرمت منه خلال النهار .

‏قالت أم عبدو وهي تحرك يدها كأنها تدفع شيئا ما أمامها آه حقا إن قومنا الشركس كانت عاداتهم صعبة.

‏انفعلت عجوزي والتفتت إلى أم عبدو و تخصَّرت وهي تقول بحدة : وهل كانوا كذلك في الماضي فقط وهل استطعت أنا أن ابكي على زوجي أو على أولادي الذين ماتوا صغارا؟

هزت أم عبدو رأسها بالموافقة وقالت ماأسوأ هذا , وأضافت وماذا جرى مع أمها فيما بعد؟

‏و كنت أنا خلال ذلك أتخيل ذلك الشاب الفارس المبدع في الرقص وأتخيل الفتاة الجميلة حين خطفت معه , لابد أن ذلك حصل على الحصان وليس بسيارة وتخيلت كل ذلك في مكان يشبه المكان الذي وصفه لي أبي اخضر وجباله بيضاء وأنهاره غزيرة وتذكرت كم هو وفي ذلك الحصان وحزنت كثيرا من اجل الحصان و تصورت لو أني كنت هناك لتحدثت إلى الحصان و أنقذته من الموت حزنا وتخيلت نسه دشه تركب الحصان في النيل المظلم وصوت الذئاب القفقاسية تعوي في كل مكان وكيف كانت تنحني على القبر وتبكي وكدت ابكي من اجلها ونظرت إلى عجوزي فكانت قد عادت إلى وضعيتها السابقة وأرخت يديها على قبضة عكازها وأجابت بهدوء : لقد ماتت بعد التهجير الكبير في ارض تركيا بعد أن أصبحت دشه مافه في عمر الصبا.

‏أم عبدو : حسنا أنها عاشت لترى ابنتها صبية و تربيها .

‏عجوزي : نعم لقد ربتها على العادات الأصيلة وعلمتها كل ما يجب أن تتعلمه فتاة مثلها , لقد كانت ماهرة في التطريز وحياكة الصوف وفي كل ما يتعلق بشؤون البيت وكانت تعرف ما يجب أن يقال وما يجب أن تفعله في كل موقف.

‏أم عبدو : حين خطفوني وأتوا بي عروسا إلى هذه القرية مررنا بالطريق بقبر كبير عال فقالوا لي إنه قبر فتاة شركسية كانت تدعى دشه مافه وبعد ذلك بدأت اسمع قصتها هنا وأدركت لما هو كبير وعال .

‏حاولت أن أتخيل أم عبدو وهي مخطوفة على الحصان وصعب علي ذلك وتصورت هذه العجوز البدينة وجدت منذ الأزل هكذا ولم تكن يوما ما صبية رشيقة .

‏عجوزي : نعم يقال إن كل شبان القرية بكوا عليها كالصغار وبكت كل النساء والعجائز, وكان الشبان كلما مروا بقبرها وضعوا حجارة جديدة فوقه إلى أن صار عاليا يدل على مكانتها العالية .

‏قالت أم عبدو وهي تهز رأسها موبخة أحدا ما : آه تذكروها بعد موتها لماذا لم يتذكروها حين كانت على قيد الحياة ؟ أجابتها عجوزي : لا . . . لا ذنب لهم ولا حتى التحماته كان مذنبا في ذلك , لقد قالت لي حماتي بان حماتها قالت لها إن تحماته مسنا جدا بل انه اكبر رجل بين المهاجرين وله قيمته ومكانته ويعرف جيدا بالعادات والتقاليد القديمة قال : نحن لم نخرج من الجدار، ولم نأت من لا شيء, حتى ونحن مشردون ومهجرون و بائسون نحن قوم لنا أصلنا وجذورنا ولنا عاداتنا الشركسية , عادات آبائنا وأجدادنا نحن عريقون ولن نسمح بتغيير عاداتنا, ألسنا شركسا, وخاطب كل الشبان وحذرهم أن يحاول أحد منهم أن يغوي دشه مافه لخوفه عليها من أن تحب شابا طائشا أو تافها لا يليق بها بسبب وحدتها و غياب أمها أو أي إنسان في منزلة أمها عنها وقد أيد كلامه كل التحماتات وانه اقسم لهم أنهم حالما يستقرون في ارض ما ويبنون قرية فانه سوف يبحث عن شراكسة آخرين مرحلين إلى هذا البلد وسوف يخاطبهم , وسوف يزوج دشه مافه بأشجع وأجمل فارس من فرسانهم يليق بمكانتها , وجميع الناس استصوبوا رأيه هذا

‏صمتت عجوزي كأنها تأخذ استراحة أو أنها تفكر في كل ذلك ثم قالت بصوت هادئ مبحوح: أنت تعرفين بلا شك كم تعذبوا وكم مات منهم وكم كان ترحالهم شاقا وكم قطعوا من المسافات حتى وصلوا من بلادهم قفقاسيا إلى هنا وكانوا يستريحون في الطريق.

‏وبعد أن استقروا في هذه الأرض يُقال بعد أسبوع من استقرارهم ويقال أكثر ويقال اقل الله يعلم ذلك , ولكنهم بعد أن جمعوا الحجارة والطين وبدأوا يبنون القرية تنبهوا إلى غيابها وأنهم بحثوا عنها لمدة ثلاثة أسابيع عبر الطريق الذي حضورا منه إلى إن وجدوها في ذلك المكان حيث قبرها الذي تعرفينه.
اضغط لتكبيـر الصورة

قالت أم عبدو بلهجة المتلهف أتصدقين يقال أنهم وجدوها بعد هذه المدة وكأنها نائمة دون أن يتغير بها شيء؟

‏عجوزي : نعم اصدق هذا.

‏أم عبدو : يا ربي حين اسمع ذلك افقد الإحساس بجلدي وبدأت أم عبدو تدلك ذراعيها وترتجف قليلا.

‏التفتت عجوزي إلى أم عبدو وأمسكتها من زندها بيدها اليسرى وهي تقبض باليمنى على العكاز وهي تقول: بل اصدق أكثر من هذا إن حماتي أقسمت لي بأن حماتها أقسمت لها أنها رأت ذلك بأم عينها وأن دشه مافه كانت بعد أسابيع من موتها تبدو كأنها نائمة وقالوا أن خدودها كانت زهرية كما كانت وهي على قيد الحياة وان ابتسامة ارتسمت على شفتيها الحمراوين وأن ثيابها كانت نظيفة أكثر من أي وقت مضى في رحلتهم البائسة تلك وأنهم وجدوها مستلقية على ظهرها كما تنام النبيلات فاعتقدوا أنها نائمة وتنفسوا الصعداء ولم يصد قوا أنها ميتة أبدا وأن كائنا لم يمس جسدها الطاهر رغم كثرة الذئاب والضباع في ذلك المكان الذي تعرفينه , وحتى الغربان القبيحة لم تقترب من جسدها وحين وجدوها. كانت العصافير تقفز حولها وتزقزق.

‏أم عبدو : يكفي, يكفي.... لقد شعرت بالخوف يارب هذا فوق احتمالي.

‏عجوزي : لقد بكى عليها الجميع وهل كان ذلك شيئا هينا عليهم أن تموت فتاة في عهدتهم بسبب إهمالهم.

‏أم عبدو : لعنة الله على ذلك التحماته لو سمح لها أن تتزوج بأي أحد لكان أفضل الشبان يتمنونها ولما لقيت ذلك المصير

لوحت عجوزي بيدها و هي تقول كم كان الشركس مساكين لقد ذاقوا آلاما لا تحتملها الجبال.

‏أم عبدو: ما أعجب ذلك..... الأب مات في ارض والأم في ارض والابنة في ارض أخرى يا ويلتي عليهم كم تشردوا , ولكن لماذا لم يحضروها إلى مدافن القرية ؟

‏عجوزي : وهل كان هناك مدافن للقرية بعد, بالكاد كانوا قد جلسوا هنا,لقد أحضروها إلى هنا ونظر الناس إليها جميعا ثم عادوا حيث وجدوها فدفنوها هناك و قيل أن القرية كلها مشت وراء جنازتها.

‏في هذه الأثناء اقبل شاب اسمه يعقوب وهو غير متزوج على ما أعرف وألقى التحية على العجوزين ومنعهما من الوقوف له و صافحهما وهما جالستان , فوقفت أنا فصافحني و وضع يده فوق رأسي وقال لماذا أنت هنا؟ لماذا لست مع أصدقائك؟ لقد ذهب الجميع إلى بستان حزرت لقد رأيتهم هناك فأشارت له عجوزي بإشارة من يدها فضحك وقال منعتك هذه العجوز فقالت له العجوزان لما أنت هنا ؟ هل تترك الصبايا على الطريق وتأتي لتجالس العجائز فقال لهما أنتما أجمل من كل الصبايا فرفعت عجوزي عكازها وهمت بضربه على قفاه فقفز بعيدا عنها ثم امسك بيدي و أخذني لأمشي معه على الطريق و العجوزان تقولان له تأخذ الطفلة كي تجد سببا للتحرش بالفتيات هل تفوتنا هذه الحيل, فمشيت بحماس معه و أنا أفكر بطريقة ما كي أسأله عما يعرفا عن الأميرة الفائقة الجمال دشه مافه.

اضغط لتكبيـر الصورة

بقلم (نرين طلعت حاج محمود)

 



أضف تعليقا

اضيف في 08 فبراير, 2008 02:55 م , من قبل بيرنا كدكوي
من سوريا said:

قصة رائعة و مؤثرة ، أشكر الأخت نرين على جهودها و الشكر لموقع سانا أديغا .

اضيف في 13 فبراير, 2008 07:14 ص , من قبل ياسر اشقر
من المملكة العربية السعودية said:

مرحبا :

أنا ياسر أشقر ( أبو سيباي ) .
بصراحة إستمتعت جدا بقراءة القصة . تحياتي للعم الغالي المهندس / رشيد خورشيد .

وكل التحيات للقائمين على هذا الموقع .

اضيف في 21 مارس, 2008 12:18 ص , من قبل ميشيل الشركسي
من روسيا الاتحادية said:

إلى وردتنا الغالية والمتميزة الانسة نرين، سلمت يداك وطوبى لك يا(ستناي غواشة)



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية